حسن الأمين

142

مستدركات أعيان الشيعة

والسياحة المدنية في السياسة والاجتماع . ويبدو أوسع كتبه كان كتابه « أخبار الزمان ومن أباده الحدثان » . وهو كتاب في التاريخ العام والجغرافيا بدأ في تاليفه سنة 332 ه‍ 943 م . وقد بلغ عدد اجزاء هذا الكتاب ثلاثين مجلدا عرض فيها المسعودي الحوادث حتى سنة تاليفه . وقد ضاعت أجزاء هذا الكتاب كلها ولم يبق منها الا مجلد واحد اشتراه المستشرق فون كريمر من مكتبة في حلب وحفظه في مكتبة فيينا . ويذكر السائح الانكليزي بورگهارت Burckhardt في كتابه « رحلات في بلاد النوبة » ان شيخا قاهريا قص عليه في مطلع القرن التاسع عشر للميلاد انه رأى أكثر من عشرين مجلدا من هذا الكتاب ، في ملازم من اربع ورقات في مكتبة جامع أياصوفيا بالقسطنطينية . ويبحث المسعودي في هذا الكتاب تاريخ العالم وجغرافية ديار الحرب ( أي بلاد غير المسلمين ) ، كما يحبث أيضا في الأساطير التي تتحدث عن تاريخ مصر القديم . وقد نقل جزءا مما كتبه في هذا الكتاب في كتابه « الكتاب الأوسط » الذي لم يبق منه أيضا إلا مجلد واحد محفوظ في مكتبة البودليان Bodleian Library في اوكسفورد . وقد اختصر المسعودي المعلومات التي أوردها في هذين الكتابين ( كتاب أخبار الزمان ، والكتاب الأوسط ) ، وجمعها في كتابه المسمى « مروج الذهب » الذي انتهى من تاليفه سنة 336 ه‍ - 947 م ، وأعاد النظر به سنة 345 ه‍ - 956 م ، أي قبل وفاته بقليل . ويمكننا ان نقسم المادة الموجودة في هذا الكتاب إلى قسمين : القسم الأول ، ويصف فيه الخليفة وقصص الأنبياء والبحار والأرضين . وما فيهما من العجائب شارحا أثناء ذلك تواريخ الأمم القديمة من فرس وسريان ويونان ورومان وفرنجة وعرب قدماء ، باحثا مذاهبهم وأوابدهم وأطول الشهور والتقاويم القديمة والبيوت المعظمة عندهم وغيرها . أما القسم الثاني فيختص بتاريخ العرب منذ قيام الرسالة الإسلامية حتى أوائل خلافة الخليفة العباسي المطيع لله . الذي توفي سنة 363 للهجرة أي بعد وفاة المؤلف بسبعة عشر عاما . ويظهر مما جاء في مقدمة هذا الكتاب انه اعتمد في تاليفه على عشرات من الكتب التاريخية وغيرها كانت موجودة في أيامه ولم يصلنا منها إلا القليل كتاريخ الطبري وفتوح البلدان للبلاذري وغيرهما . وقد عرف المهتمون بتاريخ العرب والإسلام من غير العرب لهذا الكتاب أهميته البالغة فحرصوا على ترجمته إلى اللغات الأجنبية . وقد نقله المستشرق باربيه دومينار Barbier de Menard إلى اللغة الفرنسية وطبع في باريس بين سنتي 1861 - 1877 م في تسعة مجلدات ، كما نقله إلى الإنكليزية الأستاذ سبرنجر Spninqer وطبع الجزء الأول منه في لندن سنة 1841 ، والطبعة الإنجليزية غير كاملة . وللكتاب عدة طبعات عربية اقدمها طبعة بولاق سنة 1867 ، ولكن أفضلها هي الطبعة المحتوية على مجلدين يضمان أربعة اجزاء والتي أشرف عليها وحققها الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد . وللمسعودي كتاب مطبوع آخر هو كتاب « التنبيه والاشراف » الذي ألفه قبل وفاته بقليل وهو على حد تعبير المؤلف نفسه مقدمة لكتبه وتكملة لها . وهذا الكتاب عظيم الأهمية لأنه يحوي كل ما حصله المؤلف من الأخبار بعد أن كتب « مروج الذهب » الكتابة الأولى ، وهي التي وصلت إلينا ، وقبل ان يعيد النظر به كما ذكرنا آنفا . وهو كتاب جغرافي أودع المؤلف فيه لمعا من ذكر الأفلاك وهيئاتها والنجوم وتأثيراتها وتراكيبها ، وأقسام الأزمنة والفصول السنوية ومنازلها والرياح ومهابها والأرض وشكلها ومساحتها وتأثير النواحي والآفاق على السكان والعروض والأطول والأقاليم السبعة والأنهار ومصابها . كما يذكر في هذا الكتاب الأمم السبع القديمة ولغاتها ومساكنها كما يذكر ملوك الفرس والروم وأخبارهم وأخبار الأنبياء وسيرة الخلفاء حتى سنة 345 للهجرة . وميزة هذا الكتاب انه يحوي الكثير من المعلومات الجديدة التي لم يضمنها المسعودي مؤلفاته الأخرى . وقد طبع النص العربي الكامل لهذا الكتاب المستشرق دو خويه De Goje في سلسلة « مكتبة جغرافي العرب » وذلك في مدينة ليدن عام 1894 ، وقد ترجم النص العربي هذا إلى الفرنسية المستشرق كارادوفو Carra de Vouk ونشره ضمن منشورات الجمعية الآسيوية - مجموعة الكتب الشرقية - وذلك في باريس عام 1897 . وإذا كان لحرص المستشرقين والمهتمين بتاريخ العرب والإسلام على ترجمة كتب المسعودي إلى اللغات الأجنبية وطبعها ونشرها من دلالة فهي تقديرهم والبالغ لآثار هذا المؤلف وحرصهم على الإفادة منها ، ويلخص فازيليف Vaseliev في كتابه « العرب والروم » إعجاب المؤلفين الغربيين بكتب مؤرخنا المسعودي بقوله : « وكتب المسعودي مما يقرؤه المسلمون والأوربيون على السواء فيجدونه ممتعا طليا وذلك راجع إلى تنوع الأخبار التي يسوقها المؤلف وإلى قدرته على جعل سرده حيا في كتبه » . وبعد فهذه هي لمحات من قصة حياة وتأليف علم من أعلام أمتنا تفصلنا عنه سنون تزيد على الألف ، أجله علماء الغرب مكانا رفيعا من قلوبهم وأحاطوه بما يستحق من احترام وتقدير ، فهل ترانا نحن عرب هذا العصر جديرين بحمل مشعل الفكر والحقيقة الذي سلمه لنا الأجداد متقدا وهاجا حتى نصل ما انقطع ونبني ما كاد ان يتداعى ويدخل في غياهب النسيان ! ! ان أمانة الأجداد ، ومنهم المسعودي ، تهيب بنا إلى مضاعفة الجهد حتى نلحق بركب كنا قادته وكاد اليوم أن يفوتنا . علي سيف الدولة الحمداني : مرت ترجمته في موضعها ونضيف إليها هنا هذا البحث عن سيف الدولة الشاعر الناقد مكتوبا بقلم جاسر خليل أبو صفية : حدثتنا الكتب القديمة والحديثة عن وجه واحد لسيف الدولة الحمداني ، هو الوجه العسكري ، الذي قارع الروم طويلا ، فانتصر عليهم وانتصروا عليه أحيانا . أما الوجه الآخر لسيف الدولة ، الوجه العلمي ، فقليلا ما نلمحه ، مختفيا في طيات الكتب ، ترتسم قسماته هنا وهناك ، وفي هذه المقالة سنحاول أن نلقي بعض الضوء على هذا الوجه ، علنا نتعرف اليه عن قرب ، ونعرضه للناس . نلمح من خلال الضوء الذي أرسله الثعالبي في يتيمة الدهر ( 1 / 18 ) أن بلاط سيف الدولة حوى جلة العلماء والأدباء والشعراء ، كان يباهي بهم غيره من الملوك ، حتى قيل بأنه لم يجتمع ببلاط أحد من الملوك ما اجتمع ببلاط سيف الدولة - بعد الخلفاء . وصورته الكتب لنا على أنه من علماء اللغة العارفين بها وباسرارها ، يشهد بذلك ابن خالويه - من مشاهير علماء اللغة في عصره - وذلك عندما دخل ابن خالويه يوما على سيف الدولة فقال له : أقعد ، ولم يقل له أجلس . قال ابن خالويه : « فعلمت بذلك اعتلاقه باهداب الأدب ، واطلاعه على أسرار كلام العرب ، لأنه يقال للقائم اقعد ، وللنائم والساجد اجلس » . وكان يسال العلماء بحضرته عن مسائل في اللغة والنحو ، ويناظرهم في هذه المسائل ، ويبدي فيها رأيا يدل على سعة علمه ودقة ملاحظته . وقال عنه الثعالبي في ( اليتيمة 1 / 28 ) : « وكان أديبا شاعرا محبا لجيد الشعر ، شديد الاهتزاز لما يمدح به » .